عبد الملك الجويني
68
نهاية المطلب في دراية المذهب
الترديد وكان الوجه أن " يقول : لو قطع حلقومه ومريئه " ( 1 ) ؛ فإنه رام أن يذكر القتل المُوقِف ( 2 ) الذي لا يَبقى بعده حياة ، وهذا لا يحصل بقطع أحدهما ، ومقصود الفصل بعد هذا التنبيهُ [ إلى ] ( 3 ) أن من قطع حلقوم إنسان ومريئه ، فالمجني عليه مقتول ، [ وإن ] ( 4 ) كان يتحرّك [ حركة مضطربة ] ( 5 ) متقاربة ، فذاك حركة مذبوح ، ولا حكم لها ، ولو فرضت جناية بعد ما ذكرناه ، وإن كانت في دوام تلك الحركات ، فهي جناية على ميت ، ولا يتعلق بها حكم إلا التعزير ؛ من جهة هتك حرمة ميت محترم ، وهو بمثابة ما لو أقدم على ميت وقطع أطرافه . ويترتب على ما ذكرناه أنه إذا سبق سابق بالقتل ، كما ذكرناه ، ثم تلاه آخر بقطع طرفٍ أو غيره ، ففعْلُ الثاني هدرٌ ، لا يتعلق به موجَب الضمان . وبمثله لو جنى الأول جناية لم تزُل الحياة بها ، وأتى الثاني بما هو مُوقفٌ ( 6 ) في نفسه ، فيعتبر فعل الثاني حينئذ مع اعتبار فعل الأول . وبيانه أن الأول لو شق بطنه وخرق مِعاه ، فالمجني عليه سيهلك بهذا السبب لا محالة ، وليس هذا مما يتوقع فيه برءٌ وتدارك ، ولكن تبقى معه حياة مستقرة ، ثم ينتهي ، وقد خُرق مِعى عُمر رضي الله عنه ، فأوصى لمن بعده وجَعل الأمرَ شورى ، وبقي أياماً ، فلو جرى مثلُ ما وصفناه ، ثم جاء ثانٍ ، وقدّه بنصفين أو ضرب رقبته ، فالقاتل هو الثاني ؛ فإنه الآتي بالسبب [ المذفّف ، ] ( 7 ) والجنايةُ الأولى كانت تقتل بطريق السراية لو تركت ، والتذفيف يقطع أثر السراية وإمكان جريانها وإفضائها إلى الهلاك .
--> ( 1 ) في نسخة المختصر التي بيدنا : " مريئه وحلقومه " ، فهي صحيحة كما يقول الأمام . ( 2 ) كذا . وكنت غيرتها من قبلُ مرات إلى ( المذفف ) وأكتفي هنا بالتنبيه ، فقد يكون لها وجه . وإن كنت لم أجد في المعاجم ( الموقف ) بمعنى المثبت المهلك المميت . ( 3 ) زيادة من المحقق . ( 4 ) في الأصل " إن " ( بدون واو ) . ( 5 ) في الأصل غير مقروءة ، صورتها هكذا : " من ارضه " . ( 6 ) كذا . ولعلها : مذفّف ، كما غيرناها أكثر من مرة . ( 7 ) في الأصل : " الموقف " .